ابن كثير
141
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وتعملوا بما فيها ، ومما فيها الأمر باتباع محمد صلّى اللّه عليه وسلّم والإيمان بمبعثه ، والاقتداء بشريعته ، ولهذا قال ليث بن أبي سليم عن مجاهد : في قوله وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ : يعني القرآن العظيم ، وقوله وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً تقدم تفسيره ، فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ أي فلا تحزن عليهم ، ولا يهيدنّك ذلك منهم ، ثم قال إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وهم المسلمون ، وَالَّذِينَ هادُوا وهم حملة التوراة ، وَالصَّابِئُونَ لما طال الفصل حسن العطف بالرفع ، والصابئون طائفة بين النصارى والمجوس ليس لهم دين ، قاله مجاهد ، وعنه : بين اليهود والمجوس ، وقال سعيد بن جبير : بين اليهود والنصارى ، وعن الحسن والحكم : إنهم كالمجوس ، وقال قتادة : هم قوم يعبدون الملائكة ، ويصلون إلى غير القبلة ، ويقرءون الزبور . وقال وهب بن منبه : هم قوم يعرفون اللّه وحده ، وليست لهم شريعة يعملون بها ، ولم يحدثو كفرا ، وقال ابن وهب : أخبرني ابن أبي الزناد عن أبيه ، قال : الصابئون هم قوم مما يلي العراق ، وهم بكوثى ، وهم يؤمنون بالنبيين كلهم ، ويصومون كل سنة ثلاثين يوما ، ويصلون إلى اليمن كل يوم خمس صلوات ، وقيل غير ذلك ، وأما النصارى فمعروفون وهم حملة الإنجيل ، والمقصود أن كل فرقة آمنت باللّه واليوم الآخر وهو الميعاد والجزاء يوم الدين ، وعملت عملا صالحا ، ولا يكون ذلك كذلك حتى يكون موافقا للشريعة المحمدية بعد إرسال صاحبها المبعوث إلى جميع الثقلين فمن اتصف بذلك فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه ، ولا على ما تركوا وراء ظهورهم ، ولا هم يحزنون ، وقد تقدم الكلام على نظيرتها في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته هاهنا . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 70 إلى 71 ] لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ( 70 ) وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ( 71 ) يذكر تعالى أنه أخذ العهود والمواثيق على بني إسرائيل على السمع والطاعة للّه ولرسوله ، فنقضوا تلك العهود والمواثيق واتبعوا آراءهم وأهواءهم ، وقدموها على الشرائع ، فما وافقهم منها قبلوه وما خالفهم ردوه ، ولهذا قال تعالى : كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ أي وحسبوا أن لا يترتب لهم شر على ما صنعوا ، فترتب ، وهو أنهم عموا عن الحق وصموا فلا يسمعون حقا ولا يهتدون إليه ، ثم تاب اللّه عليهم ، أي مما كانوا فيه ، ثم عَمُوا وَصَمُّوا أي بعد ذلك ، كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ أي مطلع عليهم وعليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية منهم